السيد محمد حسين فضل الله

48

من وحي القرآن

للمعنى ، وهو « أخذ الشيء أخذا تاما » . أما ملاحظة أنه استعمل كلمة « التوفي » للدلالة على أن نفس الإنسان لا تبطل ولا تفنى بالموت فلا قرينة عليه من اللفظ ، بل الظاهر من الحديث عن وفاة النفس ووفاة الأشخاص هو التأكيد على المعنى الطبيعي للموت الذي يسند إلى النفس أو الإنسان من خلال دلالتهما على الذات ، وليس هناك أية إشارة إلى مسألة فناء النفس وعدم فنائها ، من حيث هي موضع الجدل بين المثبتين والمنكرين . . . . وقد جاء التعبير عن النوم بكلمة « التوفي » كما في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] وهذا ما اعتبره البعض بأن الكلمة استعملت في معناها المطابقي وهو الأخذ ، لا في معناها المتعارف وهو الموت ؛ لكن يمكن أن يردّ هذا بأن « التوفي » استعمل في الموت بطريقة المجاز بمعنى تنزيل النوم منزلة الموت بلحاظ أنه موت مؤقت ، وأن النائم - كما يقول البعض - ميت يتنفس ، وربما كان هذا ظاهرا من قوله تعالى : فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فكأن النفس تموت في النوم موتا مؤقتا قد يمتد في الزمن وقد يتحول إلى حياة ، ولعل الكلمة النبوية الشريفة المشهورة توحي بذلك ، وهي « لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون » « 1 » واللّه العالم . وقال بعض المتأخرين من المفسرين : إن اللّه أخفاه عن أعين الناس ، فعاش عيشة طبيعية بعيدا عن أنظارهم حتى قبضه اللّه ورفعه إليه كما يرفع كل عباده إليه بروحه . وهذا حديث لا نريد أن نفيض فيه كثيرا ، لأنه قد يدخل في باب الرجم بالغيب في بعض تفاصيله ، وقد لا نصل فيه إلى نتيجة محدّدة حاسمة ، ولا نجد فيه كبير فائدة في ما يتصل باستيحاء القرآن لحياتنا الفكرية والعملية . . . فإننا نعلم أن اللّه سبحانه قادر على كل شيء في أصل الخلق وفي أشكاله وأوضاعه وطريقة بقائه وفنائه ، فليس هناك حد لقدرته وإرادته ، فاللّه

--> ( 1 ) البحار ، م : 3 ، ج : 7 ، باب : 3 ، ص : 248 ، رواية : 31 .